البوليساريو: عبء استراتيجي على الجزائر
منذ ما يقارب نصف قرن، لم تتوقف الجزائر عن دعم جبهة البوليساريو في نزاع الصحراء. فالحركة التي تُقدَّم على أنها “حركة تحرير”، استفادت من دعم عسكري ومالي ودبلوماسي واسع من طرف الجزائر. غير أن هذا الدعم، الذي كان يُنظر إليه كأداة استراتيجية، تحوّل اليوم إلى عبء ثقيل يضع الجزائر في موقع ضعف على مستويات متعددة.
تحالف تاريخي أصبح تبعية
في عام 1975، ومع انسحاب إسبانيا من الصحراء، جعلت الجزائر من احتضان البوليساريو ركيزة أساسية في سياستها الخارجية. فقد وفرت لها مخيمات تندوف، وزودتها بالسلاح والدعم العسكري، بهدف الضغط على المغرب وتغيير موازين القوى في المنطقة.
لكن مع مرور الزمن، تحولت هذه الورقة إلى التزام مُكلف يصعب التراجع عنه. فأي خطوة للانسحاب من هذا الملف ستُعد بمثابة اعتراف بفشل إستراتيجية استمرت لعقود طويلة.
تكلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة
إن استمرار دعم البوليساريو يستنزف ميزانية الدولة الجزائرية من خلال التمويل المباشر والغطاء الدبلوماسي المكثف. وفي وقت يعاني فيه الاقتصاد الجزائري من هشاشة بسبب اعتماده الكبير على عائدات النفط والغاز، يزداد استياء الرأي العام الداخلي.
الكثير من الأصوات الجزائرية باتت تتساءل: لماذا تُصرف الأموال على البوليساريو بينما يعاني الشعب من البطالة والأزمات الاجتماعية؟
عزلة دبلوماسية
تتجه المواقف الدولية بشكل متزايد لصالح المغرب. فالولايات المتحدة، وإسبانيا، وعدد من الدول العربية والأفريقية، تعتبر مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلاً واقعياً للنزاع.
أما الجزائر، فباستمرارها في الدفاع غير المشروط عن البوليساريو، تجد نفسها في عزلة دبلوماسية، ما يقلل من قدرتها على لعب دور فاعل في المنطقة، ويغلق الباب أمام أي مصالحة مغاربية حقيقية.
تهديد أمني محتمل
تشكل مخيمات تندوف بدورها مصدر قلق أمني. فهذه المنطقة القريبة من الساحل باتت بؤرة لتجارة السلاح وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، فضلاً عن خطر تسلل الجماعات الإرهابية الناشطة في الساحل والصحراء. وبهذا، فإن الأداة التي أرادت الجزائر توظيفها استراتيجياً ضد المغرب قد تتحول إلى قنبلة موقوتة تهدد أمنها الداخلي.
خطاب رسمي يقيد النظام
الأخطر من كل ذلك أن السلطة الجزائرية بنت جزءاً من شرعيتها السياسية على الدفاع عن “القضية الصحراوية” ومناهضة المغرب. التخلي عن البوليساريو سيعني نسف سردية سياسية متواصلة منذ نصف قرن، وهو ما قد يُفقد النظام الكثير من مصداقيته داخلياً وخارجياً. ولهذا يجد نفسه مضطراً للاستمرار في دعم الحركة، حتى وإن لم يعد هذا الخيار يحقق أي مكاسب استراتيجية.
لقد تحول ما كان يُعتبر ورقة ضغط استراتيجية إلى عبء سياسي واقتصادي وأمني على الجزائر. فالرهان على البوليساريو لم يضعف المغرب، بل وضع الجزائر نفسها في موقف صعب، محاصَرة بخيارات الماضي وغير قادرة على مراجعة حساباتها.